Page 131 - web
P. 131

‫‪ISSUE No. 456‬‬

                    ‫كما تعتمد هذه الجماعات في بناء خطابها الإعلامي على‬                  ‫في المتلقي‪ ،‬وتوجيه وعيه‪ ،‬بما يفضي إلى إيجاد حالة‬

                    ‫من الاستقطاب والاقتناع تسبق الفعل الإرهابي المادي نفسه‪ ،‬إستراتيجيات لغوية مثل‪ :‬التناظر والمقابلة وطرح الأسئلة الكبرى‬

                    ‫حيث أظهرت الدراسات أن هذه الجماعات‪ ،‬رغم اختلاف مرجعياتها‪ ،‬والإجابة عنها‪ ،‬وتركز على التناص والتضمين والاقتباسات المجتزأة من‬

                    ‫تعتمد على أنماط خطابية متشابهة‪ ،‬توظف لإنتاج تأثير نفسي سياقها‪ ،‬لتوحي للمتلقي أنها تستند إلى مرجعيات تحظى باحترامه‬

                    ‫واجتماعي يمهد لشرعنة العنف وتبريره‪ ،‬وفيما يلي شرح لهذه وتقديره‪.‬‬

                    ‫وتتعامل هذه الجماعات مع الخطاب بوصفه لعبة لغوية تنتج‬                ‫الممارسات الثلاث‪-:‬‬

                    ‫وتقرأ وتعاد صياغتها في سياق التبادل بين المرسل والمتلقي‪ ،‬بما‬                                               ‫أواًلا ‪ :‬الممارسة النصية‬
                    ‫يفضي إلى بناء تصورات موجهة ومغلقة؛ ومن ثم‪ ،‬اتسمت البنية‬
                    ‫اللسانية لهذه الخطابات بانغلاق المبنى والمعنى‪ ،‬ومارست تحريًًفا‬      ‫تشير الممارسة النصية إلى الطريقة التي ينتج بها الخطاب على‬
                    ‫لكثير من النصوص التراثية‪ ،‬من خلال اجتزاء النصوص‪ ،‬وتحريف‬             ‫المستوى اللغوي‪ ،‬من حيث اختيار المفردات‪ ،‬وبناء التراكيب‪ ،‬وتوظيف‬
                    ‫سياقاتها‪ ،‬فحولت رسائلها الأصلية في العفو والتسامح والتعايش‬          ‫الأساليب البلاغية‪ ،‬بما يعبر عن أهداف المرسل‪ ،‬ويوجه المعاني نحو‬
                                                                                        ‫المتلقي‪ .‬ويتم تحليل هذا المستوى من الخطاب لفهم كيفية بناء‬
                                            ‫إلى دعوات للحرب والقتل وسفك الدماء‪.‬‬         ‫المعاني داخله‪ ،‬ومدى الاتساق والانسجام في النص‪ ،‬وما يحمله من‬
                    ‫وفي المقابل‪ ،‬تستثمر الجماعات ذات المرجعيات غير الإيديولوجية‬         ‫رسائل ظاهرة أو ضمنية‪ ،‬سواء لتثبيت قناعات معينة أو للتشكيك‬
                    ‫في اقتباسات تستند إلى أقوال الأجيال المؤسسة لها‪ ،‬وتراثهم الفكري‬
                    ‫أو السياسي‪ ،‬وتعيد إنتاجها في سياقات جديدة تخدم أهدافها‪ ،‬فهي‬                                                      ‫فيها وإلغائها‪.‬‬
                    ‫تدرك أن الكلمات ليست محايدة‪ ،‬بل قد تتحول إلى أدوات تعبوية‪،‬‬          ‫ولا ينظر إلى التراكيب اللغوية المستخدمة في الخطاب‪ ،‬من‬
                    ‫تستخدم إما للتحريض والتصعيد‪ ،‬أو للتهدئة والتبرير‪ ،‬بحسب طريقة‬        ‫مفردات وتراكيب وأساليب بلاغية‪ ،‬بوصفها عناصر جمالية فقط‪ ،‬بل‬
                                                                                        ‫باعتبارها أدوات وظيفية تستخدم لتشكيل المعنى وتوجيهه‪ ،‬وتمتد‬
                                                           ‫توظيفها في الخطاب‪.‬‬           ‫هذه الممارسة إلى توظيف الأساليب البلاغية‪ ،‬من خلال استخدام‬
                    ‫وإذا كان الأسلوب اللغوي الرصين‪ ،‬والبلاغة المنمقة تعدان من‬           ‫الحجج العقلية والنقلية‪ ،‬واستثمار الاقتباسات النصية‪ ،‬وتوظيفها‬
                    ‫السمات الأسلوبية البارزة في الخطاب الإعلامي للجماعات الإرهابية‬
                    ‫ذات المرجعية الإيديولوجية المغلوطة‪ ،‬فإن هذه السمات تبدو أقل‬           ‫لإقناع المتلقي‪ ،‬بما يخدم أهداف الخطاب ويعزز سلطته الرمزية‪.‬‬
                    ‫حضوًًرا في خطابات الجماعات ذات المرجعيات الفكرية أو العرقية‬         ‫وفي ضوء هذا الفهم‪ ،‬يمكن ملاحظة كيف يمارس ذلك فعلًًّيا‬
                    ‫المختلفة‪ ،‬فالتركيب اللغوي في هذه الخطابات يميل إلى استخدام‬          ‫في الخطاب الإعلامي للجماعات الإرهابية التي تتعمد تقديم تفسير‬
                    ‫لغة وسيطة‪ ،‬تجمع بين البعد العقلي والعاطفي‪ ،‬وتخاطب جمهوًًرا‬          ‫مضلل للنصوص؛ فعلى سبيل المثال تستدعي هذه الجماعات‬
                    ‫واسًًعا دون الإغراق في اللغة التراثية أو التاريخية‪ ،‬مما يضفي عليها‬  ‫قصًًصا ورموًًزا تاريخية‪ ،‬وتعيد توظيفها في سياقات لغوية جديدة‪،‬‬
                    ‫طابًًعا عملًًيا مباشًًرا‪ ،‬يركز على التأثير النفسي والتعبوي أكثر من‬  ‫وبأساليب بلاغية مؤثرة‪ ،‬بهدف جعل المتلقي مذع ًًنا ومستسلًًما‪ ،‬من‬
                                                                                        ‫خلال إضفاء هالة زائفة على تلك السرديات‪ ،‬على نحو مضلل ودون‬
                                                       ‫التأسيس الفكري أو الرمزي‪.‬‬
                                                                                                                 ‫اعتبار لتعدد مستويات التأويل والتلقي‪.‬‬

               ‫‪131‬‬
   126   127   128   129   130   131   132   133   134   135   136